accessibility

حكم رقم (8) لسنة 2025

الحكم رقم (8) لسنة ( 2025)

في الطعن رقم (6) لسنة (2025)

الصادر عن المحكمة الدستورية باسم صاحب الجلالة

الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم ملك المملكة الأردنية الهاشمية

برئاسة الرئيس السيد/ محمد الغزو وعضويــة السادة: تغريد حكمــت، د. ميساء بيضــون، "محمد طـلال" الحمصـي، هاني قاقيــش،  محمد إسعيّد، حسين القيسي، باسل أبو عنزه ، محمد السحيمات.

في الطعن المقدم من الطاعن إيهاب جلال محمد الدجاني، وكيله المحامي الدكتور بخيت الخلايلة، بعدم دستورية المادة (32/ب) من قانون التقاعد المدني رقم (34) لسنة 1959 وتعديلاته لمخالفة المادتين (6/1 و5) و(128/1) من الدستور.

بعد الاطلاع على جميع أوراق الدعوى، يتبين أن الطاعن كان قد أقام بتاريخ 16/12/2024 الدعوى رقم (836/2024) لدى المحكمة الإدارية للطعن في القرار الصادر عن الجهة المستدعى ضدها لجنة التقاعد المدني/ وزارة المالية رقم (004099) تاريخ 12/11/2024، المتضمن عدم تخصيص راتب تقاعدي للطاعن؛ لأن مقدرته على إعالة نفسه بنفسه معطلة تعطيلاً جسيماً منذ عام 2021، أي بعد وفاة والده التي كانت بتاريخ 21/7/1988.

وقد أسس دعواه على الوقائع الآتية :

  1. المستدعي هو ابن المتقاعد المدني المرحوم جلال محمد كمال الدجاني .
  2. تقدَّم المستدعي للجهة المستدعى ضدها (لجنة التقاعد المدني) بطلب تخصيص راتب تقاعد فرعي له من راتب والده المذكور في البند السابق، نظراً لمرضه وعجزه الجسيم المؤيد بقرار اللجنة الطبية العليا رقم (225) تاريخ 20/8/2024، واحتياجه وعدم قدرته على إعالة نفسه بنفسه المؤيد بكتاب وزارة التنمية الاجتماعية رقم (ت ق / 17414) تاريخ 27/10/2024 .
  3. بتاريخ 12/11/2024 قررت الجهة المستدعى ضدها بقرارها الطعين بالنتيجة " عدم تخصيص راتب تقاعدي للمستدعي كون مقدرته على إعالة نفسه بنفسه معطلاً تعطيلاً جسيماً منذ عام 2021 أي بعد وفاة والده التي كانت بتاريخ 21/7/1988"، الأمر الذي حرمه من راتب تقاعد فرعي من والده المذكور في البند (1) .

  وطلب المستدعي بالنتيجة إلغاء القرار الطعين، وتضمين المستدعى ضدها الرسوم والمصاريف والأتعاب.

نظرت المحكمة الإدارية الدعوى، وأصدرت بتاريخ 29/4/ 2025 حكمها المتضمن" رد الدعوى موضوعاً، وتضمين المستدعي الرسوم والمصاريف ومبلغ خمسين ديناراً أتعاب محاماة".

لم يقبل المستدعي / الطاعن بهذا الحكم، فطعن فيه لدى المحكمة الإدارية العليا، وقُيّد الطعن بالرقم (422/2025)، وقدم مع لائحة الطعن مذكرة للطعن بعدم دستورية المادة (32/ب) من قانون التقاعد المدني رقم (34) لسنة 1959 لمخالفتها أحكام المادتين (6/1 و 5)  و(128/1) من الدستور، والقرار المفسر لها رقم (4 ) لسنة 2004، والصادر عن الديوان الخاص بتفسير القوانين.

وبتاريخ 21/10/2025 قررت المحكمة الإدارية العليا ما يأتي: (وعملاً بالمادة (11/ج) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012، وقف السير في الدعوى المنظورة أمام محكمتنا وإحالة الدفع المقدم من وكيل الجهة الطاعنة والمتعلق بعدم دستورية المادة (32/ب) من قانون التقاعد المدني رقم (34) لسنة 1959 وتعديلاته إلى المحكمة الدستورية للأسباب التي ذكرها في طلبه المقدم أمام محكمتنا وبذات الوقت عدم إجابة طلبه حول إحالة الدفع المتعلق بعدم دستورية القرار التفسيري رقم (4) لسنة 2004 والصادر عن الديوان الخاص بتفسير القوانين لعدم الجدية).

ورد الطعن لمحكمتنا بتاريخ 23/10/2025 وقُيّد بالرقم (6) لسنة 2025.

تنفيذاً لمقاصد البندين (1 و 2) من الفقرة (ب) من المادة (12) من قانون المحكمة الدستورية، تم إرسال نسـخة من قرار الإحالة الصادر عن المحكمة الإدارية العليا  في الدعوى رقم (422/2025) إلى كل من السادة:

  •  رئيس الوزراء.
  • رئيس مجلس الأعيان.
  •  رئيس مجلس النواب.

بمقتضى الكتب المؤرخة في 23/10/2025.

ورد كتاب دولة رئيس الوزراء المؤرخ في 2/11/2025، مرفقاً به صورة عن مذكرة رئيس ديوان التشريع والرأي المؤرخة في 2/11/2025، التي انتهت إلى أن  المادة (32/ب) من قانون التقاعد المدني رقم (34) لسنة 1959، قد جاءت تعبيراً عن إرادة المشرع، ولم تخرق حرمة النصوص الدستورية، ولم تتجاوز حدودها، وتتفق وأحكام الدستور الأردني، وأن الأسباب التي قدمت للطعن بعدم دستوريتها لا تقوم على أساس سليم من القانون، وتغدو ادعاءً مجرداً خالياً من الدليل، ولا ترد عليها، وتستوجب الرد، وطلب اعتبار ما ورد في المذكرة ردّاً على الطعن استناداً إلى

أحكام المادة (12/ب/2) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012 وتعديلاته.

ودون الرد على أسباب الطعن،

فإن المقرر في الفقه والقضاء الدستوري أن ولاية المحكمة الدستورية في الدعاوى الدستورية لا تقوم إلا باتصالها بالدعوى اتصالاً مطابقاً للأوضاع المقررة في الدستور والقانون.

وبيان ذلك أن المادة (60/2) من الدستور تنص على ما يأتي:

" في الدعوى المنظورة أمام المحاكم يجوز لأي من أطراف الدعوى إثارة الدفع بعدم الدستورية وعلى المحكمة إن وجدت أن الدفع جدي تحيله إلى المحكمة الدستورية وفق أحكام القانون ".

وتنص المادة (11) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012 على ما يأتي:

  1. لأي من أطراف دعوى منظورة أمام المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها الدفع بعدم دستورية أي قانون أو نظام واجب التطبيق على موضوع الدعوى.
  2. يقدم الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة الناظرة للدعوى بموجب مذكرة يبين فيها الطاعن اسم القانون أو النظام الذي أثير الدفع بعدم دستوريته ورقمه ونطاق الدفع بصورة واضحة ومحددة وما يؤيد ادعاءه بأن ذلك القانون أو النظام واجب التطبيق على موضوع الدعوى، ووجه مخالفته للدستور، ويجوز لأي طرف آخر في الدعوى تقديم ردّه خلال المدة التي تحددها تلك المحكمة على أن لا تزيد على خمسة عشر يوماً من تاريخ تقديم مذكرة الدفع بعدم الدستورية .
  3. إذا وجـدت المحكمـة النـاظرة للـدعوى، أن القانون أو النظام الذي أثيـر الـدفع بعدم دستوريته واجب التطبيـق علـى موضـوع الدعوى وأن الـدفـع جـدي، توقف النظر فيهـا وتـحيـل الـدفع إلـى المحكمة الدستورية، ويكون القرار بعدم الإحالـة قـابلاً للطعن مع موضوع الدعوى".

  ويُظهر النصّان سالفا الذكر الأحكام والإجراءات الواجب اتباعها عند النظر في الدفع بعدم دستورية أي قانون أو نظام، إذ تُعّد هذه الإجراءات من النظام العام، وتكون كفيلة بأن تتصل المحكمة الدستورية بالدعوى اتصالاً موافقاً للدستور والقانون، وتبين هذه النصوص دور محكمة الموضوع عند النظر في الدفع بعدم دستورية القانون أو النظام لغايات اتخاذ القرار المناسب بإحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية أو عدم إحالته، ويقتضي هذا الدور - على ما استقر عليه الفقه والقضاء الدستوري – أن تقدر محكمة الموضوع جدية الدفع، ويُقصَد بتقدير جدية الدفع أن يتحقق قاضي الموضوع – وفقاً لسلطته التقديرية – من أن الدفع المطروح عليه لا يهدف إلى الكيد أو إطالة أمد النزاع، ووسيلة القاضي في ذلك أن يتحقق من أمرين جوهريّين، هما:

  • الأمر الأول : أن يكون الفصل في المسألة الدستورية منتجاً في النزاع الموضوعي، أي أن يكون النص المدفوع بعدم دستوريته واجب التطبيق على النزاع في الدعوى الأصلية على أي وجه من الوجوه، وأن الحكم بعدم الدستورية سيفيد منه الطاعن في الدعوى الموضوعية .
  • والأمر الثاني : يجب أن يتحقق القاضي من أن مطابقة النص محل الدفع تحتمل اختلاف وجهات النظر، أي أن يكون ثمة شبهة في عدم دستورية هذا النص، وهذا الأمر لا يعني أن يقحم قاضي الموضوع نفسه في التحقق من عدم الدستورية، وإنما يكفي أن يفسر الشك في مدى جدية الدفع لصالح جانب عدم الدستورية، ويتفق الفقه والقضاء الدستوري على أن تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع يفترض أن تمعن المحكمة نظرها في النص الطعين بعد فهمها لحقيقته ووقوفها على أبعاده، فيقتضي ذلك أن تقابل – بصفة مبدئية – بين هذا النص والنصوص الدستورية المدعى مخالفتها، مستظهرة بذلك نطاق التناقض بين مضمونه وأحكامه، فلا يشترط أن يترجح لدى قاضي الموضوع أن المحكمة الدستورية، إذا رفع إليها الأمر فإنها ستقضي بعدم دستورية القانون أو النظام؛ لأن اشتراط هذه الدرجة من الترجح يعني إشراك محكمة الموضوع في تقدير أمر الدستورية؛ لأن مهمتها تنحصر بتقدير جدية الدفع بعدم الدستورية دون الفصل في المسألة الدستورية ذاتها .

 ويتضح مما تقدم أن سلطة محكمة الموضوع تتجلى في بحث مدى جدية الدفع بعدم الدستورية، والتحقق من توافر هذه الجدية بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه وفقاً لسلطتها التقديرية؛ وذلك بإجراء نوع من التقييم المبدئي لمضمون المطاعن الموجهة إلى النصوص التشريعية المطعون بعدم دستوريتها، والوقوف على مدى صحة هذه المطاعن وسلامتها من وجهة نظر أولية، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز لمحكمة الموضوع إحالة الدفع بعدم الدستورية بصورة تلقائية أو آلية بمجرد إثارة هذا الدفع أمامها، وإنما عليها أن تتثبت من مدى جدية هذا الدفع.

 وفي هذه الدعوى نجد أن المحكمة الإدارية العليا، وهي محكمة الموضوع التي أحالت الدفع بعدم الدستورية، قد اتخذت قرار الإحالة على محضر المحاكمة متضمناً إجابة طلب المستدعي بإحالة الدفع بعدم دستورية المادة (32/ب) من قانون التقاعد المدني رقم (34 ) لسنة 1959، للأسباب التي ذكرها في طلبه المقدم للمحكمة، وبذات الوقت عدم إجابة طلبه حول إحالة الدفع المتعلق بعدم دستورية القرار التفسيري رقم (4) لسنة 2004، والصادر عن الديوان الخاص بتفسير القوانين لعدم الجدية.

وتجد محكمتنا أن قرار الإحالة بهذه الصورة لا يفي لغايات اتصال المحكمة الدستورية بالدعوى اتصالاً موافقاً للدستور والقانون، بل هو مخالف لما استقر عليه الفقه والقضاء الدستوري في المبادئ التي أُشير  إليها سابقاً؛ ذلك أن القرار بإحالة الدفع بعدم دستورية أي قانون أو نظام يجب أن يتم بحكم مكتمل تبيّن فيه المحكمة أنها تحققت من جدية الدفع من جهة أن الفصل في المسألة الدستورية منتج في النزاع الموضوعي، وأنّ النص المطعون بعدم دستوريته هو الواجب التطبيق على النزاع في الدعوى القائمة أمامها، وأنّ الحكم بعدم الدستورية سيفيد منه الطاعن في تلك الدعوى. وعلى المحكمة من جهة أخرى أن تبيّن ما إذا كان هناك شبهة في عدم دستورية النص المطعون فيه، وكذلك أسباب الطعن التي تؤيد هذه الشبهة، فلا يكفي أن تحيل إلى الأسباب التي أبداها الطاعن في مذكرته، بل إن واجب المحكمة أن تبيّن ما تبنته من هذه الأسباب، واتخذته مبرراً لإحالة الدفع إلى المحكمة الدستورية. ومن جانب آخر لا بد لنا من الإشارة إلى أن إجابة الطلب بإحالة الدفع بعدم دستورية المادة (32/ب) من قانون التقاعد المدني رقم (34) لسنة 1959، قد جاء دون تبرير أو بحث لجدية هذا الدفع على النحو الذي أشرنا إليه سابقاً . في حين أن المحكمة قررت عدم إحالة الدفع بعدم دستورية قرار التفسير رقم (4) لسنة 2004، معلّلة ذلك (بعدم الجدية) على الرغم من أن قرار التفسير - حسب مقتضى المادة (123/4) من الدستور - له مفعول القانون، وفي ذلك تناقض لا نجد ما يدعو لتفصيل القول حوله في ضوء نتيجة هذا الحكم. 

  في ضوء ما تقدم، فإن المحكمة الإدارية العليا قد نأت بنفسها عن بحث جدية الدفع بعدم دستورية المادة (32/ب) من قانون التقاعد المدني رقم (34) لسنة 1959، وقد كان لزاماً عليها ذلك على النحو الذي يوجبه الدستور والقانون، وما استقر عليه الفقه والقضاء الدستوري، فقد جاء قرارها بالإحالة قاصراً عن تحقيق غايته باتصال المحكمة الدستورية بالدعوى اتصالاً يتفق مع الدستور والقانون، مما يستوجب الحكم بعدم قبول هذا الطعن.

 لهذا نقرر عدم قبول الطعن .

حكماً صدر في اليوم الثامن عشر من شهر  جمادى الآخرة لعام 1447 هجري

الموافق لليوم التاسع من شهر  كانون الأول لعام 2025 ميلادي